ابن أبي الحديد

27

شرح نهج البلاغة

حلمكم عنهم وصبركم عليهم ، مثل ما أنا آمن عليكم منهم ، فإنهم صبروا وحلموا ، ولم يقدموا على استباحة حربكم والدخول في دمائكم . * * * قال الزبير : ثم تكلم عويم بن ساعدة ، فقال : يا معشر الأنصار ، إن من نعم الله عليكم أنه تعالى لم يرد بكم ما أردتم بأنفسكم ، فاحمدوا الله على حسن البلاء وطول العافية وصرف هذه البلية عنكم ، وقد نظرت في أول فتنتكم وآخرها فوجدتها جاءت من الأماني والحسد ، واحذروا النقم ، فوددت أن الله صير إليكم هذا الامر بحقه فكنا نعيش فيه . فوثبت عليهما الأنصار ، فأغلظوا لهما وفحشوا عليهما ، وانبرى لهما فروة بن عمرو ، فقال : أنسيتما قولكما لقريش : ( إنا قد خلفنا وراءنا قوما قد حلت دماؤهم بفتنتهم ) ، هذا والله ما لا يغفر ولا ينسى ، قد تصرف الحية عن وجهها وسمها في ( 1 ) نابها . فقال معن في ذلك : وقالت لي الأنصار إنك لم تصب * فقلت : أما لي في الكلام نصيب ! فقالوا بلى قل ما بدا لك راشدا * فقلت ومثلي بالجواب طبيب تركتكم والله لما رأيتكم تيوسا لها بالحرتين نبيب ( 2 ) تنادون بالامر الذي النجم دونه * ألا كل شئ ما سواه قريب فقلت لكم قول الشفيق عليكم * وللقلب من خوف البلاء وجيب : دعوا الركض واثنوا من أعنة بغيكم * ودبوا فسير القاصدين دبيب وخلوا قريشا والأمور وبايعوا * لمن بايعوه ترشدوا وتصيبوا

--> ( 1 ) ج : ( فيها ) . ( 2 ) النبيب : صياح التيس عند الهياج ، ومنه قول عمر لوفد أهل الكوفة حين شكوا سعدا إليه : ( ليكلمني بعضكم ولا تنبوا عندي نبيب التيوس ) .